براندون



صور بعدسة جنان

 

http://news.nationalpost.com/2012/04/26/moyenne-island-brendon-grimshaw

براندون

لم يخرج براندون من جزيرته كزائر منذ ما يقارب العشرون عاما وها نحن نحضى بزيارته الفريده من نوعها

براندون ذلك الجندي الانجليزي الذي وطأت اقدامه هذه الجزيره قبل خمسون عاما عندما أتاها سائحا باحثا عن الحريه الروحيه بعد ما قاساه من حروب ضد الفلسطينيين الابرياء في اراضيهم.. من على ظهر مدرعة الجيش التي تقله للمطار عائدا لاوطانه تهب عليه نسمة أحيت صدره المثقل بالهموم.. أحس أن هذه النسمه هو ما يتوق اليه..

وتهب عليه توأم تلك النسمه على شواطئ سيشل وبالاخص جزيرة ماهي.. يذهب لشواطئها.. فيدنوا منه  على شاطئها ذلك الطفل السيشيلي قائلا  : أنت تريد أن تمتلك جزيره في سيشل؟ أجبته بقصد الدعابه نعم كيف عرفت وكان جوابي  عن طريق الدعابه وليس غير؟ قال هلم بنا أخذك لجزيرتك.. وها هو يأخذني كما كان يحدثنا وجها  لوجه بقاربه الصغير الى مويير.. وأضع عليها قدمي وتهب عليا تلك النسمه التي زارتني في ايامي السابقه وانا جندي حالما بالحريه.. استنشقتها وقلت: هذي هي جزيرتي سأتملكها يوما ما..

وبالفعل إشتريتها من صاحبها.. وعشت مع صاحبي السيشيلي تشارلي الذي شاركني كل هواياتي وحرث الارض معي وزرعها.. عشت عمرا جميلا ولا زلت أعيشه.. لم أحس يوما بالوحده الا عندما كنت أنام وانا جندي في المعسكرات وحيدا حين يذهبون الرفاق في نهايه الاسبوع الى ذويهم.. أما في مويين آيلاند فأنا محاط بالطبيعه التي تحاكيني واحاكيها.. وبالسلاحف المائه وخمسه وعشرون سلحفه أكبرها سنا عمرها يضاهي السبعون عاما.. وهي مصدر رزقي من الزوار السائحين الذين يأتون لمشاهدتها ولقائي..

 

 

يبلغ من العمر السابعه والثمانون... قوامه لازال منصوب به من الشموخ والكفاح..ولو أن أعوجاج الكبر قد زار ظهره.. كان يمشي الهوينا و لكأنه يحسب خطاه.. لفت انتباهي أصابعه الطويله ضعف الطول الحقيقي لحجم يده وهي متجمده أطرافها ولكأنها  أطراف معول استخدمه الدهر لحرث أرض جزيرته مويين التي غرس فيها كما قال لنا  اثنى عشر ألف نبته ..حيث انها كانت عباره عن جزيره شبه قاحله من البشر والنبات...

هابني كبر أقدامه التي تضاعف  الحجم الطبيعي للبشر وقد بدت أصابعه منفرجه عن بعضها لشدة ما أستخدمها حافيه للتشبث بتراب الأرض الوعره التي هي منه وهو منها.. اما اصابعه الثلاثه الاخيره في القدم فقد بدت ملتحمه مع بعضها فكونت جلدا ملتصقا كأنه جناح وطاويط السيشل.. براندون يبدأ حديثه وهو في غاية اللباقه والذوق الرفيع.. يبدأ حديثه بعدما حييته نيابة عن الرفاق  وطلبت منه الحديث عن نفسه..

كان يقطع الحديث وينتقل من حديث لآخر دون أن اقاطعه ليسترسل في وصفه وذاكرته الخصبه المليئه بالذكريات.. قال:  عندي شجرة مانجو زرعتها السيده(ماري ) التي كانت تملك الجزيره قبلي  بمائة عام وها أنا اليوم أجني ثمارها التي سأقطفها الشهر القادم أي فبراير.. وكلما استلذ بثمرها اناجي طيف تلك السيده قائلا ليتك تتذوقين ما حرثتي..وكلما أثمرت يزورني ما يقارب الالف من وطوايط الفاكهه الذين ينقضون عليها ويمتصون عصير كل فاكهتها الناضجه .. فأخرج صارخا محاكيا شغبهم ألتهموا ما تريدون وأهلا ومرحبا بكم ولكن رجوتكم دون إزعاج حيث قال أن صوتهم وهم يتشاجرون مزعجا كثيرا..

دفن  في جزيرته أبيه الذي أتى من انجلترا وعاش معه ما يقارب الخمسة اعوام.. رأينا قبره الطيني المثلثي الشكل الذي بناه تأهبا لمنيته حيث قال لصاحبه مارفين ان اتيت يوما لزيارتي ولم تجدني فستجدني مستلقيا في قبري اطلب المنيه.. وقد بناه  بقرب القبران اللذان بلا اسم كتب عليهما للاسف لا يعرفان فههم جثث مجهوله....

لم يتزوج وقال انه قد ندم انه لم ينجب اطفالا.. اما عن اجمل لحظات عمره قال: أنه العمر الذي عاشه مع صديقه تشارلي السيشيلي الاصل الذي هجر زوجته واطفاله ليعيش بجانبه يشاركه كل هواياته..

قال عندما مرض صديقي بالسرطان وهو كان شخص بسيط يحلم بأن يسافر الى تايلاند اخذته لذلك المكان لاحقق له حلمه... سهرنا ليلتها نشاهد مباراة لكرة القدم على التلفاز وغفوت وعندما صحوت رأيته متيقظ سألته : هل من سوء؟ قال انني اريد ان احضر فنجانا من الشاي وهرولت مسرعا استجيب لندائه واذا به يقف وفجأة يسقط على صدري ميتا.. كانت هذه احزن اللحظات فرفيق العمر والدرب قد رحل.. كان يتحدث والدمع يملأ عينيه اغرورقاقا..

تمنيت لو يغير الحديث فلا اريد الحوار ان ينقلب الى دمع..

قلت له سيدي براندون اسمح لنا اننا حين زرنا جزيرتك فإن السيد مارفين صديقك المرشد السياحي حين عطشنا قد أسقانا من فاكهتك الجوز هنديه حيث أنه أرانا كيف يفتحها بالطريقه التقليديه حيث كان يرطمها على قاعده مدببه من الخشب الذي غرس في الارض لتلك الحاجه.. شرابها كان كالعسل لم أذقه في أي مكان في الكون.. ضحك وتراجع بجسده على المقعد مسترخيا.. اذا سأضع مارفين في السجن لجريمته الشنعاء..

براندون شخص بشوش وحديثه لا تمله.. حين سألته آخر اللقاء بماذا تنصحني.. قال كوني انت وكوني كما تريدين ليس كما يريد الغير انت سيده طيبه وتحبي  الغير.. سألته ما الذي استطيع أن اهديه ضحك خجلا وبعد جهد  جهيد وعناء قال: كم احاول ان أاتي بشخص يساعد كاهلي الكهل في عمل الجزيره وكل من يأتي يطلب العوده يوميا لجزيرة ماهي الام وتكلفة القارب تكلف الكثير يوميا.. ..  اما ابتسامته فلن أنساها أبدا... براندون سعدت بلقاؤك.. طبت مساء يا براندون.. وطبتي مساء جميلا يا سيشل فقد وهبتنا لحظات حالمه لن انساها..

 

بريندون بعدها بستة أشهر

4-7-2012

ويأتيني المرسال من صاحبنا السيشيلي الذي عرفني يوما  بالسيد بريندون.. بعدها بخمس أشهر..

وفي خطابه تعابير الألم والحزن.. يقول فيها إن السيد بريندون قد بلي بمرض السرطان وهو الآن يعيش أيامه الأخيره مع عائله صديقه في الجزيره الأم ماهي ..

دمعت عيني ..  حينها تذكرت عندما كان يودعنا قبل أشهر قائلا أراكم العام المقبل إن كنت على قيد الحياه.. هل قالها وهو يشعر بقرب الموت الذي دنى إليه مذ فارق صديق عمره الوفي..ولفته غيوم رغبة الموت التي ينتظرها في ذلك القبر الذي جهزه في جزيرته  لجسده حين يرحل من الدنيا؟؟

قد يستغرب القارئ لما تعلقي بهذه الشخصيه؟؟ إن روحه التي سيطرت على عقله بإتخاذ القرار الذي هو يريده وليس ما يريده الغير.. هذا ما جذبني لفكره..فقد ذكرني بشخصية زوربا الكريتي المحب للحياة.. لا أنسى حين ربت على كتفي بعدما سألته النصيحه قال: كوني كما أنت تريدين وليس كما يريد الغير..

عاش حياته كما يريد فأنا أرفع له تحية الكبر الأبديه لكثر ما عانينا في حياتنا القصيره من أن نكون أذلاء لما يريده غيرنا منا وبذلك تنغمس هويتنا الحقيقيه..

أحاول الإتصال به مرارا وقت مرضه للإطمئنان عليه .. حتى أجابني يوما وهو يتعثر بكلماته متمتما بكلمات لم أفهمها.. أحاول التعريف بنفسي .. ولكن المرض قد شل تفكيره والتركيز ..يردد هذه العبارات: الكنيسه . السياره. الناس. البحر. ولا أفهم باقي ما يريد أن يقول.. حتى ينقطع الخط..

في اليوم التالي يأتيني إتصال منه عدة مرات وحين أمسكت بالخط رحبت به.. فقال لي وهو يزمجر لماذا لا تضعين لي موسيقى هادئه أريد أن أسمعها الآن وبسرعه.. أستغرب الطلب ..ولكن  أدركت حينها أنها هلوسة المرض ولم يكن بجانبي أي جهاز لأسمعه ما يريد.. حتى أسعفتني صديقتي بهاتفها وصادف الحظ أن تكون أغنية بينك مارتيني لا سوليداد الحالمه..

يستمع إليها وأسمع تنهداته  وأنا أحس أنه يتمايل مع اللحن ..وإنتهت المكالمه بانتهاء الأغنيه لأنني أيقنت أنها رغبته الأخيرة قبل الموت.. وبعد أيام يأتيني خبر إنتقاله للرحمن ودفنه في قبره الذي جهزه لنفسه في جنازة مصغره كما كانت رغبته وبحضور قليل من الأهل والرفقه المخلصه..

حزنت عليك يا بريندون ودعيت لك الرحمن أن يريح جسدك في قبره فأنت كنت سلام ومحبه للطبيعه والبشر وحتى الحيوانات الزائره لجزيرتك.. سالت لفراقك دموع أهالي السيشل فقد كنت مصدر رزق لسياحتهم..


Home | Biography | Articles | Poems | Exhibitions | Songs | Contact Us |